المنتدى الرسمي لقسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية فرع جامعة الأزهر بالمنوفية
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المفارقة في اللسان العربي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 40
تاريخ التسجيل : 21/11/2011

مُساهمةموضوع: المفارقة في اللسان العربي   الأحد يناير 26, 2014 12:25 pm

البحث كامل منشور في موقع الفصيح
http://www.alfaseeh.com/vb/showthread.php?t=80642
جامعة الأزهر
كلية اللغة العربية بالمنوفية
قسم البلاغة والنقد





المفارقة في اللسان العربي
أد . سعيد أحمد جمعة
أستاذ ورئيس قسم البلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بالمنوفية
2013/ 2014 هـ
فهرس العناوين
المقدمة                                                                          2
المفارقة في اللغة                                                               5
المفارقة في الاصطلاح                                                        7
المفارقة في الشعر العربي                                                     9
المفارقة في القرآن الكريم                                                     15
المفارقة في الحديث النبوي                                                    22
المفارقة في المواقف                                                           25
المفارقة في اللفظ المفرد                                                       27  
واقعنا والمفارقة                                                                27
عناصر المفارقة                                                                28
وجه البلاغة في المفارقة                                                      30
الخاتمة                                                                         31






المقدمة
الحمد لله رب العالمين , الذي فلق البحر َفكان كُل فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ , وأصلي وأسلم على خير عباد الله أجمعين , الذي كانت بعثته فرقانا بين الحق والباطل , وعلى آله وصحبة , ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين , وبعد :
فلقد مرّ مصطلح " المفارقة " على السمع مرات عديدة , ولم يتوقف الذهن أمامه لشهرته , وتداوله في كتابات أهل اللغة  والدين , وكم من المصطلحات السيَّارة في حياتنا العلمية تحتاج إلى تحقيق , ومن المفاجأة أنه بعد البحث في المراجع ذات الصلة  لم أجد لهذا المصطلح تعريفاً , أو علماً ينتسب إليه , حتى تبين لي بعد لأيٍ أن العثور على  مصطلح "المفارقة " في المكتبة العربية بعيد المنال , وأن البحث عن علم ينتسب إليه هذا المصطلح كالبحث عن المجهول , وتلك كانت أول المفارقات ؛ لأنه شائع على الألسنة , موزع بين صفحات الكتب , شاخص لدى المهتمين بالبلاغة والأدب والنقد , بل وتراه في كتب أهل التفسير , وفي لسان المتكلمين في شتى المجالات , ومع ذلك لا تعرف نسبه ولا حدَّه , بل لا تكاد تعرف أين تفتش عنه ؟
مما يعني أن هناك حاجة لتحريره , وضبط أصوله , ومعرفة نسبه ,وهذا من الأهمية بمكان لأن أعظم مجالات العلم –  أيَّ علمٍ – هو تحرير مصطلحاته , وضبط قواعده وأصوله , ولا يعد العلم علما إلا بذلك , ولا يرقى فن من الفنون إلى مراتب العلوم إلا إذا حُدّدت أقسامه , وحررت مصطلحاته , واستقرت عند المشتغلين به , فلا يقال مصطلح كذا إلا إذا استحضر السامعون مدلوله , وشواهده , وبهذا ينشأ الناشئة وهم يعرفون حدود العلم وضوابطه.
ولفظة " المفارقة"  تظهر بوضوح في كتب الفقه, ويقصد بها مفارقة المرأة زوجها, أو الرجل زوجته , فيقولون في باب الطلاق – مثلاً - : يحق للزوج عند انتهاء العدة المفارقة أو الإمساك. وإذا انتقلت إلى باب الصلاة تراهم يقولون : إذَا قام الْإِمَامُ لِخَامِسَةٍ يُخَيَّرُ الْمَأْمُومُ بين الْمُفَارَقَةِ والانتظار .
وفي باب البيع يقولون : إن البيع ينعقد بمفارقة المتبايعين للمجلس , لحديث " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا ... "  
كما تظهر لفظة المفارقة في كتب الدعوة والترغيب والترهيب  ويقصد بها : مفارقة الروح للجسد, ومن ذلك ما ذكره الإمام الغزالي : من أن من آثار الصدق والإخلاص وتمام الوفاء أن تكون شديد الجزع من المفارقة نفور الطبع عن أسبابها , ويقولون : إن الروح بعد المفارقة تلحق بأشكالها ، وأخواتها ، وأصحاب عملها ، فتكون معهم هناك .
لكن" المفارقة" في شواهد العلماء تتحدث عن أمر آخر , والمفارقة التي استعمالات أهل الأدب والبلاغة لا تنحو هذا المنحى, بل هي باب آخر , ومفهوم آخر , والعجيب أنك لا تجد إشارة إلى هذا المفهوم , ولا تجد تعريفا لهذا المصطلح , بل لا تجد مصطلح المفارقة في مفردات كتب البلاغة  أو الأدب .
فمن أين جاء ؟ وماذا يراد به ؟ لن تجد إجابة ! !  هل نحن أمام مصطلح مجهول النسب؟!!
وإذا كنا كذلك لماذا استخدمه الكتاب وكأنه معلوم للكافة؟  أم أنه ليس عربي المولد؟
تقول نجاة علي : (المفارقة مصطلح غربي لم تعرفه العربية ، ولم يدخل دراساتها إلا من وقت قريب عبر الترجمة. ... .... وتواصل قائلةً :
والحقيقة أن هذا المصطلح - تحديدًا – سبب جدلاً واسعًا حوله في الغرب ، فهو مصطلح شائك ويثير الالتباس. فإذا كان «ما لا تاريخ له يمكن تعريفه»على حد تعبير " نيتشه " ؛ فإن مسألة إيجاد تعريف محدد لهذا المصطلح المراوغ ، العصي على الفهم ، يعد مسألة صعبة جدًّا نظرًا لتاريخه الطويل المتشعب.
فهو أشبه بجسد قطعت أوصاله – دون ما اتفاق مسبق – ووزعت بين العديد من اللغويين والفلاسفة والبلاغيين ، وآخرين تداولوه بأشكال مختلفة ، وطوروه بحيث أصبح له في كل سياق يرد فيه معنى مختلف وجديد. )
هكذا ذهبت " نجاة علي " إلى غربية المصطلح , وأنه نتاج مجموعة من الدلالات , وأنه مصطلح غامض , وله فرع في كتب اللغة والبلاغة والفلسفة .... إلى آخر هذا الكلام الذي لا يضع يدك على شيء بل يزيدك حيرة , ويغلق أمامك الباب حتى لا تنظر في لغة العرب !!!
وزاد من تعميق هذه النظرة أنك لا تستطيع حتى اليوم أن تنسب المفارقة إلى أي علم من علوم اللغة , والعجيب أنه لم يدَّعِ أحدٌ حتى الآن نسبة المصطلح إليه , فهو أشبه بالحاضر الغائب , وهذه كلها أمور تفتح الباب للبحث والتنقيب , لتجيب عن عدة أسئلة يستحق كل واحد منها البحث والتفتيش, وهي :
• هل مصطلح المفارقة ينتمي إلى البلاغة أم إلى غيرها ؟
• هل عرف العرب القدامى هذا المعنى أم لا ؟
• ما حدُّ هذا المصطلح ؟ وما أهم الشواهد التي تحمل دلالته ؟
• هل يوجد في القرآن الكريم والحديث الشريف شواهد عليه ؟
• أين نضعه في علم البلاغة إن كان من غراسها ؟ . أسئلة كثيرة تحتاج إلى وقفات, يحاول هذا البحث الإجابة عنها ولتكن البداية من رحم اللغة العربية  ومعاجمها  .
               سعيد جمعة
            26/12/2013 م












المفارقة في اللغة
لا يجوز البداية في التعرف على مصطلح شاع بين الأدباء إلا من عند عتبات اللغة , فلا ينفصل لفظ في لغة العرب مهما تعددت معانيه عن دلالته اللغوية الأولى , ومهما ساح اللفظ في ضروب الدلالات , وتنوعت معه السياقات , ودل على أشياء تقترب من أصوله أو تبتعد , إلا أن أرومته لا تزال باقية , ونسبه لا يزال موصولاً بالجذر الأول , ومن هنا كان الحديث عن دلالة اللفظ  - أي لفظ – لابد أن تبدأ من نقطة الانطلاق , وهي الدلالة اللغوية .
وكتب اللغة والمعاجم متنوعة المناهج والمشارب , إلا أن" معجم المقاييس" لابن فارس يظل النبع الأول الذي يجب أن نبدأ من عنده , ذلك لأنه يضع لك  الجذر اللغوي , والمعنى الذي يخرج منه , وهل هو أصل واحد أم أكثر من أصل.
ولفظة المفارقة من ( الفاء والراء والقاف وهي أُصَيلٌ صحيحٌ يدلُّ على تمييز وتزييلٍ بين شيئين . من ذلك الفَرْق : فرق الشعر. يقال: فرَقْتُه فَرَقاً . والفِرْق: القطيع من الغَنَم. والفِرق: الفِلْق من الشَّيء إذا انفَلَقَ،قال الله تعالى: {فَانْفَلَقَ فَكاَن كُلُّ فِرْقٍ كَالطّودِ العَظِيم } الشعراء 63.
فهناك تباعد بين كل من الفِرقين يسمح بمرور الجموع الحاشدة لذلك قيل في اللغة : ( المفارقة : المباينة , وتباين القوم  : تهاجروا وتباعدوا )  
فهناك في الدلالة اللغوية بُعدٌ شديد بين أمرين أدَّى للتفارق , والمفارقة هي المباينة  والمفاصلة والانقطاع ،والافتراق أيضًا مأخوذ من الانشعاب والشذوذ, ومنه الخروج عن الأصل ،والخروج عن الجادة ، والخروج عن الجماعة .
بل إنك تلحظ في الدلالة اللغوية للمفارقة أمرا نفسيا , مترتبا على البعاد مثل البغض بين المتفارقين , والعناد بينهما , ولذلك فسر الفيروزبادي" المجانبة والمعاندة " بالمفارقة , ليشير إلى هذا البعد النفسي بين الطرفين , ولعل هذا جعل جملة :  " فارقتك "  إذا قالها الرجل لامرأته  من ألفاظ الطلاق الصريحة     .. ومن الباب أيضا إفراق المحموم من حُمَّاه ، وإنما يكون كذالك لأنَّها فارقَتْه.... وكان بعضهم يقول: لا يكون الإفراق إلاَّ من مرض لا يُصيب الإنسانَ إلاَّ مرّةً واحدةً كالجُدَرِيِّ والحَصْبة وما أشبَهَ ذلك, وناقةٌ مُفْرِقٌ: فارَقَها ولدُها بمَوْت.
والفُرْقانُ: كتاب الله تعالى فَرَقَ به بين الحقِّ والباطل. والفُرْقان: الصُّبح ، سمِّي بذلك لأنه به يُفْرق بين اللَّيل والنَّهار،ويقال لأنَّ الظُّلْمة تتفرَّق عنه.....والفارِق: الخَلِفَة تذهبُ في الأرض نادَّةً من وجَع المَخَاض فتُنْتَج حيث لا يُعلم مكانُها ؛ والجمع فوارقُ , والفارق من الناس : الذي يَفرِق بين الأمور ، يَفْصِلُها. وفَرَقُ الصُّبْحِ وفَلَقُه واحد.)...  
هذه بعض الإشارات التي تحملها هذه المادة , وأرجو أن تلحظ معي هذه الظلال التي تحيط بالمادة , لأنها من الأهمية بمكان في تحديد دلالة المفارقة .
لاحظ هنا : ( قطعة فارقت معظم الغنم )( إفراق المحموم ) (لا يكون الإفراق إلا من مرض )
( وناقة فارقها ولدها بموت ) ( والفارق : الخِلفة تذهب في الأرض نادّة من وجع المخاض )
وانتبه إلى ما يحيط بالمعنى من ألمٍ , وحزن , وكأن المفارقة في دلالتها اللغوية فصلٌ , وبعدٌ بين أمرين متلازمين مما يبعث على الحزن والألم و ومنه فارق الرجل امرأته  مفارقة وفراقا , ولعل قول سيدنا الخضر لنبي الله موسى " هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ"  الكهف  78  يصور هذه الحالة التي كان عليها ,  لرغبته في ملازمته , ولعلمه أيضا برغبة سيدنا موسى في ملازمته , لكنه الشرط الذي اتفقا عليه , وقضاء الله الذي يسبق كل شيء .
المهم  أن انفصال كل منهما عن الآخر كان مؤلما للطرفين لذلك سماه فراقاً , وبهذا يتبدى أول ملمح من ملامح المفارقة في الدلالة اللغوية , وهو البعد الشديد بين أمرين , بعداً قد يبعث على الألم والحزن .
هل نستطيع الآن أن نعرف المفارقة في الاصطلاح ؟
لقد توقفت في أن أضع تعريفاً للمفارقة في الاصطلاح هنا أم في آخر هذا البحث , ولقد مضيت في البحث وأنا عازم على وضع التعريف الاصطلاحي آخر البحث لعدة أسباب :
منها : أنه لا يوجد حتى الآن اصطلاح , فلفظ  " المفارقة "  ليس مندرجا حتى الآن داخل علم من العلوم , ولا يعرف له نسب حتى أقول – مثلا -  اصطلح أهل النحو , أو البلاغة , أو الأدب على أن تعريفه كذا ...
ومنها : أن ما أكتبه مدعيا أنه تعريف للفظة إنما هو رأيي , ولم يتفق أحد معي على ذلك حتى الآن حتى يقال مصطلح .
ومنها : أن الرأي الشائع حتى الآن أن " المفارقة "  مصطلح غربي , وغامض , وشائك , ويحمل عدة أمور.
ومنها : -  وهذا مهم – أنني لم أتوصل إلى تعريف أرتضية إلا آخر البحث , بعد مراجعة النصوص , وتعليقات أهل العلم عليها .
كل ذلك دفعني إلى أن أجعل التعريف الاصطلاحي – تجاوزا – آخر البحث , وصنعت ذلك حتى آخر مراجعة , وفي آخر مراجعة وجدت أن اللائق بالقارئ وضع التعريف هنا , وليس آخر البحث حتى لا أرهق القارئ معي , وحتى يقيس ما جئت به من شواهد على هذا التعريف , ولذلك وجب عليّ – هنا -  التنبيه على أنه قد يفاجأ القارئ بأمورا في الشواهد لا تتوافق مع هذا التعريف – في الجملة -  وذلك لأنها كانت في مرحلة الكشف عن مدلول المفارقة في الاصطلاح , فهي تقترب من هذا المدلول حينا , و تبتعد عنه حينا آخر , لكن في النهاية هي محاولة لضبط مصطلح استخدمه أهل العلم , ولم يدرجوه في كتبهم .
والآن ما تعريف المفارقة في الاصطلاح ؟
من خلال الشواهد الكثيرة التي  راجعتها , وتبينت من خلالها السلك الرابط بينها أستطيع أن أرسم للمفارقة حداً أظن انه يلم بمعالمها , ويسهل على القارئ إرجاع الشواهد إليه , بل وإبداع كثير من المفارقات من خلاله :
فالمفارقة تعني :
      (المسافة الفاصلة بين ما هو كائن من المعاني وبين ما ينبغي أن يكون)
                              أو(المسافة بين المتوقع وغير المتوقع )
ففي هذا التعريف تجد أن كل ما يصدر عنه عكس ما يُتوقع  يعد مفارقة في العقلية العربية , ويشمل ذلك المفارقة في اللفظ , سواء أكان مفردا أم جملة , كما يشمل المفارقة في الشخصية فردا كانت أم جماعة , كما يشمل المفارقة في الموقف .
فحين يدل اللفظ على شيء لا يتوقع , وحين ترى الرجل يتسم بعكس ما هو عليه , فيطلق على القزم : المارد , وعلى الجبان عنترة , وعلى البخيل حاتم , وحين تنتظر معنى فتفاجأ بعكسه , فأنت في حديث مفارقة , ومع  أنها تُصوِّر التناقض مع الواقع إلا أنها قد تعطي صورة أصدق من الحقيقة .لكنها في جميع الأحوال تصور التضاد بين المظهر والمخبر , فإذا جئت إلى بخيل مثلاً ، وقلت له : مرحباً بك يا حاتم . فأنت تريد التهكم , والسخرية , وفي الوقت نفسه تؤكد على معنى بخله , وحين تقول لجبان : جاء عنترة , فأنت مع دلالة المفارقة تؤكد على المعنى الذي تريد إيصاله للسامع , وقريب من هذا ما ذكره الثعالبي (420هـ) في فقه اللغة أن العرب تقول للرجل تستجهله  : (يا عاقل) وللمرأة تستقبحها : ( يا قمر )  فهناك علاقة بين التناقض الشديد والمفارقة , فكلاهما تعبير عن حالة اللا معقول , وخروج الأمر عن حد العادة  ( فأنت تنقله من واقع البخيل  إلى تصور حاتم الطائي أصل الكرم . وبذلك نقلت البخيل نقلتين : نقلة من وضعه كبخيل ؛ ثم السخرية منه ؛لأن قولك لبخيل ما : يا حاتم, هو تقريع وتهكم وسخرية واستهزاء ، لأنك نقلته من وصف خسيس وحقير إلى وصف مقابل هو سَام ورفيعٍ وعظيم تحقيرا له واستهزاء به ، ومن المقارنة يبدو الفارق الكبير .
وإذا ما جئت مثلاً لرجل طويل جداً ،وقلت : مرحبا بك يا قزم . هذه هي المفارقة ، كما تقول لقصير : مرحبا بك يا مارد .  أو إذا جئت لطويل لتصافحه ، فيجلس على الأرض ليُسلم عليك . . هذه أيضاً مفارقة . وإن جئت لرجل قصير لتصافحه فتجلس على الأرض لتسلم عليه فهذه هي السخرية والتهكم . .. وهذه المفارقات إنما تأتي للأداء البلاغي للمعنى الذي يريده المتكلم ،....  وحين تريد تصعيد أمر ما ، فأنت تنقل مخاطبك من شيء إلى الشيء المقابل)  
كذلك حين تتوقع من الشخص شيئا ثم تفاجأ بعكس ما تتوقعه , أو ترى له حالا لا ينتظر منه فتلك مفارقة , ومن المفارقة ما ذكر عن سيدنا عمر بن الخطاب أنه وأد ابنةً له في الجاهلية وكانت تنفض التراب عن لحيته وهو يحفر لها حفرتها    , وحين ترى موقفا غير متوقع , ويسير عكس ما يترقبه الجميع فتلك مفارقة , ومن ذلك أن  أحب النساء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهي السيدة عائشة هي ابغض النساء إلى من يزعمون حبهم لآل بيت النبي .صلى الله عليه وسلم , ومنها أن الإسلام وهو الدين الخاتم وآخر حلقات النور السماوي هو الذي تعرض لأكبر قدر من الهجوم والشبهات , ومنها أن شهر الصيام هو أكثر شهور السنة استهلاكا للطعام ..... إلخ
وأنتقل بك إلى لغة الشعر, فهي معدن الدلالات , وأصل المعاني , وموئل اللسان الفصيح لنرى هل عرف الشعر القديم دلالة المفارقة ؟
المفارقة في الشعر العربي
عرف الأدب العربي القديم المفارقة  , واستعمل الشعراء في العصر الجاهلي هذا اللون من التعبير , فجسدوا هذا الشعور , وصوروا هذه الدلالة في أبهى صورها , مما يدل على تجذر هذا المعنى في قلب العربي القديم , ويرد على من زعم أن هذا اللون من التعبير لم يعرف إلا عند النقاد الغربيين , ومن النصوص التي ترى فيه مفهوم المفارقة واضحا جلياً أبيات الشنفرى في لامية العرب حين قال :
ولي دُوْنَكُمْ أهْلُون : سِيدٌ عَمَلَّسٌ  **  وَأرْقَطُ زُهْلُولٌ وَعَرْفَاءُ جَيْئَلُ
همُ الأهلُ لا مستودعُ السرِّ ذائعٌ   **  لديهمْ ولا الجاني بما جرَّ يخذلُ
والشنفرى في هذين البيتين جعل من السباع بشرا , في الوقت الذي تحول فيه البشر إلى ذئاب , بل إنه جعل من السباع من أول البيتين أهلا وموئلا , وهذه المفاصلة ناتجة عن ألمٍ أحاط بالنفس حتى جعلها تقطع بالأمر دون تردد ( ولي دونكم أهلون ) ... كذا ...
ثم زاد من زفرة المفارقة حين كشف لنا أن الأهلين الجدد ليسوا سوى ( ذئب ونمر وضبع ) ولعله لمح الاستغراب في ذهن السامع فأعاد اللفظ الموجع ( هم الأهل ) وهذا تعبير يفيد القصر , كأنه قال : لا غيرهم  من هؤلاء الموصوفين بأنهم بشر, فهو يصحح تصورات الناس الذين ظنوا أن البشر هم الأهل , فنفى ذلك بأسلوب يحمل من المرار مالا تستطيع العبارة إخفاءه , حين أخرج هذه الجملة المؤلمة التي تحمل زفرات الموجوع , وراجع النظر إلى هذه الهاء الشاخصة في الكلمتين " هـــم الأهــل " , فهي من الحروف الحاملة لحرارة الوجع الكامن في القلوب , والمصورة لمرارة الخداع الذي لقيه  !!.
إن المسافة هنا واسعة جدا بين الأمرين , حيث المتوقع أن تكون السباع سباعا , والبشر بشرا , ويكون الأمن والطمأنينة في جانب البشر , والخوف والحذر من السباع , هذا هو الأصل , ثم تبعد المسافة فيكون لبعض البشر طبائع الغدر والخيانة , ثم تبعد أيضا فيكون البشر جميعا كالسباع في أخلاقهم من حيث أن القوي يأكل الضعيف , ثم يزداد البعد حين ترى في السباع من هم أكثر أمناً من البشر , ثم تبعد فيكون الأمن كله عند السباع , والخوف كله عند البشر , ثم يصل الأمر حد اللا معقول حين يتخذ الشاعر من السباع أهلا , ويقصر هذا المعنى عليهم , إن الأمر أشبه بحالة الانقلاب في المسلمات , إن الشنفرى يصحح المعطيات التي اعتادها الغافلون , فليس الأهل من يُطلق عليهم الناس بشرا , كلا, كلا ,....... الأهل هم الذين يُستَودَعون السر , الأهل هم الذين لا يخذلون من استجار بهم ولو كان جانياً , وهذه المسافة البعيدة بين ما يراه الناس طبعيا , وبين ما يعيشه الشاعر ويلمسه بيديه , أقول : هذه المسافة بين المتوقع , وغي المتوقع هي المفارقة , وهي مسافة نفسية , وبعد بين المعطيات الكائنة لدى الناس والمعطيات الكائنة لدى الشاعر , وكأن عالمه غير عالم الناس , وما يستقر في نفسه مغاير لما هو مستقر في نفوس الناس , بل مضاد له .
وهكذا يرسم الشنفرى صورة رائعة للمفارقة , فلقد استبدل بالأهل أهلا من السباع , لا لشيء إلا لأنه وجد الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها البشر قد ضاعت , فلا نجدة, ولا مروءة , ولا حفظ للسر , في الوقت الذي وجدت هذه الصفات وغيرها في عالم السباع , وجدت في الذئاب والضباع ؛  لذا صاروا أهلاً وعشيرة, وهذا المعنى هو تجسيد للمفارقة , بحيث ترى الشر مما يتوقع منه الخير , وفي الوقت نفسه ترى الخير فيمن تتوقع منه السوء والشر , وهذه الحالة من التناقض الشديد تبعث في النفس غضبا , وتؤجج فيها رفضا , وتبعث فيها نفورا من هذا الواقع الأليم, وهذا الغضب والرفض والنفور لا يلبث أن يدفع بصاحبه إلى الفراق , فراق هذا الواقع , والبعد عنه وهذا ما ألمَّ بالشنفرى , وأحاط به فدفعه إلى اعتزال هذا العالم المتناقض الذي تبدلت فيه الأشياء , وأصبح مكمن الأمن هو هو مكمن الخطر , ولا تكتمل المفارقة هنا حتى يصبح مكمن الخطر هو هو مكمن الأمن !!!!
ولذلك ترى هذا المعنى من أكثر وسائل التعبير علقة بالنفس , لأنه يمثل لها حالة من حالات التنفيس عما ألم بها من هموم حتى لا تصاب بالعمى, أوليس الحزن والألم يصيب بالعمى؟ !!!.
*************
وهذا نموذج آخر يكشف عن هذه الدلالة : ذكر الجاحظ أن الأحنف ( وَفَدَ في وجوه أهل البصرة الى عبد الله بن الزبير , ثم تكلم أبو حاضر الأسيدي -  وكان خطيبا جميلا -  فقال له عبد الله بن الزبير : أسكت فو الله لوددت أن لي بكل عشرة من أهل العراق رجلا من أهل الشام , صرف الدينار بالدرهم ,  قال يا أمير المؤمنين ! إن لنا ولك مثلا أ فتأذن في ذكره ؟ قال : نعم .  قال : مثلنا ومثلك ومثل أهل الشام قول الأعشى حيث يقول :  
علقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل
أحبك اهل العراق , وأحببت أهل الشام , وأحب أهل الشام عبد الملك بن مروان .
وذكر هذه القصة ابن حمدون , تحت عنوان التقريع والتوبيخ : فقال في التذكرة الحمدونية تحت عنوان : باب في التقريع والتوبيخ ثم ذكر القصة ...    
وراجع معي هذه الصورة التي تجمع بين المتنافرات , وتمتزج فيها ألون العجب والألم , والتهكم والسخرية , والغرابة .... فكل طرف متعلق بمشغول عنه , وكل قلب موصول بنافر منه , إنها صورة تجسد لك ضلال القلوب في الهوى , وعمى البصائر في الوداد , وتحكم الأقدار في النفوس , وكأن كل قلب مفارق لمن يريده , ومتعلق بمن يفارقه .
وهذا ملمح آخر من ملامح المفارقة في الشعر القديم حيث ترسم صورة للتهكم المرير, ومشهدا من مشاهد التندر , فلقد وقع الأعشى  في هواها رغما عنه , وهذا ما تراه في بناء الفعل للمجهول (عُلِّقتها ) ... ثم الإيغال في هذا المعنى حيث يقول " عَرَضَاً " أي دون قصد , وهذا قد يقبل , فالبُلهُ في الدنيا كثير , لكن لاحظ هذا التناقض في الصورة حين تشارك هذه المُعلَّقة عَرَضَاً في رسمها , لأنها ودون سابق إشارة تُعَلًّقت برجلٍ آخر غيره , وأيضا دون قصد ولا رغبة ولا إرادة , إنها مُسيَّرة هنا تماما مثله , وتكتمل العجائب , وتتم المفارقة حين ننظر لهذا الرجل الآخر الذي عُلِّقت به دون قصد فنراه عُلِّق هو الثالث بامرأة ثانية غيرها .
بهذا المشهد الذي يستحيل صورة متحركة ترى فيه الأطراف الثلاثة تسير حيث يُرادُ لها دون أن تريد , وهذا لب المفارقة , إنها تجسيد للتناقض في كل شيء , وحدوث اللامعقول , والتعبير عن  اللا منطق , ورسم صورة الغير متوقع  .
فالمسافة هنا قائمة بين هذه المتوالية , الشاعر ومحبوبته , ثم بين محبوبته ومن تعلقت به , فالكل يبتعد عن الآخر بقدر اقتراب الآخر منه , ففي الوقت الذي يقتر هو من هذه المرأة تبتعد هي عنه في اتجاه آخر , ونحو رجل آخر , وفي الوقت الذي تقترب هي من الرجل الآخر يبتعد هذا الرجل الآخر عنها إلى محبوبة ثانية , إنها حالة من الطرد المركزي الذي يجعل كل طرف يبتعد عمن يقترب منه .
وحين تراجع هذه الصورة التي أراد الشاعر الكشف عنها تجد أنه لا يريد التعبير عن أساه بقدر ما يريد إلقاء اللوم على الأقدار التي تضع الأمور – حسب فهمه هو- في غير مواضعها , وتعطي الشيء لمن لا يريده , وتحجب عنه ما يريد , إن الصورة تحولت من عالم المشاهدة بالعين إلى عالم الذوق , والإحساس بمرارة الواقع , تحولت من حس إلى حس آخر , ومن طريق إلى طريق آخر , هكذا أراد الشاعر أن يوصل إليك ما في قلبه , أو إن شئت قل : أراد أن يذيقك ما يذوقه من مرار , وهذا ملمح آخر من ملامح المفارقة , أن فيها إحساساً بالألم  والمرار . , والمفارقة هنا لم تجمع بين طرفين , بل زادت ثالثا , وهو هذا الذي علق أخرى , وهذا أعطى للصورة ماءً جديدا حتى امتلأت , فاينما نظرت إلى واحد من الثلاثة أشفقت عليه , وتوجعت من غفلته , لكن المفارقة تكمن في ضم الثلاثة إلى بعضهم حتى ترى المشهد مكتملا كما أراده الشاعر .  

                                               ******************
وإذا راجعت أشهر ما في الشعر العربي القديم , وهو الوقوف على الأطلال تجد ماءً جديدا , ورافدا متجددا للمفارقة , ذلك لأن الوقوف على الديار إنما هو وقوف على الخراب , والرسوم البالية , والحطام المتناثر ومع ذلك يرى عبد الملك مرتاض فيها شيئا آخر فيقول :  ( من عجيب المفارقات ، ولطيف المباعدات ، أن يغتدي الخراب اليباب مظنّةً للجمال البديع ، ومقصدةً لاستعادة الذكريات العذاب.
فالرسم الدارس من حيث هو ديارٌ بالية ، وبنايات متهدّمة لا جمال فيه ، ولا إلهام منه ، ولا سعادة تجثم حَوله. .....   بيد أنّ الذي جعل من جَلاله جمالاً ، ومن شقائه سعادة ، ومن وحشته ألفَةً ، ومن بشاعته نُضْرَةً ؛ هو تلكم الذكريات الجميلة التي كان يطويها في نفسه ، وتلك العلاقات العاطفية الكريمة العارمة ، وتلكم الأزمنة التي قضّاها أناسٌ فيها حتّى ضجّت بهم ، وغصّت بوجودهم )   فهو يرى في الشقاء سعادة , وفي الوحشة ألفة , وفي البشاعة نضرة !!!
ولعلك لم تنس هذا البعد النفسي في الوقوف على الأطلال , وهذا الألم الذي يستدعيه الشاعر وهو واقف على منازل الأحبة وقد تبدلت معالمها , حتى تحول الوقوف إلى  بكاءّ , والمرور إلى حنين واستدعاء , ومع أن الديار قد درست إلا أن الشاعر بوقوفه عليه يرسم لها صورة ناضرة , تشع بالحياة من جديد , وكأنه ينفخ فيها روح المحيا , وينزل عليها من شعره قطرات الغيث فتستحيل عمارا وهي يباب , وتدب فيها الحياة وهي خراب .
ليست المفارقة في الوقوف على الديار , ولكن في قدرة هذه الديار – وقد درست – في  بعث الحياة الرغدة في قلب الشاعر ونفسه , فكيف يتأتى من الخراب حياة, ومن البقايا جمال , ذلك من روافد المفارقة .

*************

وشاهدٌ آخر ذكره الجاحظ ,  قال : ( قال محمد بن سهل راوية الكميت : أنشدت الكميت قول الطرماح  
( إذا قُبِضَت نفسُ الطِّرمَّاحِ أَخْلقتْ ... عُرَى المَجْدِ واسْتَرْخَى عِنانُ القصائدِ )
فقال الكميت إي والله وعنان الخطابة والرواية  !!!!
قال ابوعثمان الجاحظ : - وهنا موطن المفارقة - :
ولم ير الناس أعجب حالا من الكميت والطرماح  : وكان الكميت عدنانيا عصبيا وكان الطرماح قحطانيا عصبيا .
وكان الكميت شيعيا من الغالية وكان الطرماح خارجيا من الصفرية .
وكان الكميت يتعصب لأهل الكوفة وكان الطرماح لأهل الشام .
وبينهما مع ذلك من الخاصة والمخالطة ما لم يكن بين نفسين قط ثم لم يجر بينهما صرم ولا جفوة ولا إعراض ولا شيء مما تدعو هذه الخصال إليه.)  
إن الواقع يفرض المسافة البعيدة , والموجود اقتراب شديد , وكأن المفارقة ليست مسافة في البعد فقط , بل مسافة في البعد المتوقع , حتى يصل البعد المتوقع حد التناقض .
ولاحظ هذه الصورة حين يتجسد التناقض بين طرفين وكل طرف يظهر منه عكس ما يتوقع ,
فالذي بين " الكميت  والطرماح "  عكس ما يتوقعه كل عاقل , وكان من المفترض أن يكون بينهما دماء , وعداء , وقطيعة ليس لها دواء , لكن المفارقة تكمن في أن هذين الطرفين – رغم انحياز كل منهما إلى الفريق المعادي للطرف الآخر – متحابان , متواصلان , بل يمدح كل منهما الآخر , ويرى حسناته شاخصة , وأفضاله ظاهرة . .
                                       ******************
إن المفارقة هي الجمع بين طرفين يرسم كل منهما عكس ما يتوقع منه , واقرأ معي قول الشاعر :
إذا لم تصادف في بنيك عناية ** *  فقد كذب الرائي وخاب المؤمل
فموسى الذي رباه جبريل كافر * ** وموسى الذي رباه فرعون مرسل
وهذا النموذج يختلف عما سبق فالشاعر هنا يريد منك أن تشاركه في التعرف على ملامح الصورة , فهناك استدعاء للمشهد من العالم القديم لتقيس به , أو تقيس عليه ما تراه في بنيك , ولن يصل الحال إلى هذه الدرجة من التناقض , فما الذي تتوقعه حين يتربى وليد في كنف ملك من الملائكة ؟ لا شك أنك تتوقع وليدا على أخلاق الملائكة , لكن الحاصل أن كانت ثمرة التربية التي قام بها الملك المقرب ثمرة غير متوقعة , لقد كانت بعيدة عن الخيال  إنها أخرجت للناس كافرا , فهل تتوقع هذا ؟ !! جبريل عليه السلام يتعهد إنسانا كما تقول الرواية , فتكون النتيجة هكذا !!
ولا تكتمل المفارقة حتى ترى الوجه الأخر , وهو أن يتربى وليد في كنف طاغية فيخرج على صورة لا تتصور , لقد أصبح الوليد مرسلا من ربه , وهنا تظهر طول المسافة بين النموذجين , وهي مسافة لا تنتظر ولا تتوقع , والشاعر يريد منا النظر إلى هذا البعد القائم بين الطرفين , وإياك أن تبعد عن جمال هذا المشهد , أو أن تفسده بالقول بأن  ذلك كله جاء بعلم الله تعالى , وسيدنا موسى ليس تربية فرعون , ولكنه تربى على عين الله تعالى , فهو القائل : " ولتصنع على عيني " , لأن الشاعر , وكل قارئ يعرف هذا , لكن المعنى الذي يريد الشاعر أن يرسمه هو أن الأمور لا تسير حسب ما يقدره الإنسان , ولكن الأمور تسير حسب ما تدبره المقادير , فلا تذهب نفسك على شيء حسرات .
ولكي تتلمس ذلك راجع عالم المشاهدة وانظر إلى ما يعج به من الغرائب والعجائب , التي لم يستطع العقل قبولها إلا بوضعها تحت عنوان غرائب وعجائب , فإن تيقنت منها فاعلم أنها أول الخيط الذي يوصلك إلى المفارقة .
إنني هنا أريدك أن تتلمس معي معالم هذه الدلالة حتى نستطيع أن نضع مصطلح المفارقة في الأرض التي تناسبه ,هل نضعه في علم المعاني أم البيان أم البديع؟
إن المفارقة قبل أن تكون وسيلة من وسائل البيان هي تعبير عن حالة التناقض للأشياء, حالة التحول , وخروج الأمر عن المعهود , حالة تغيير الطباع التي اعتادها الناس , ولذلك تمتزج المفارقة غالبا بأساليب أخرى مثل الهجاء , والسخرية والتهكم .
إن من ملامح المفارقة المفاجأة ففي المفارقة خروج عن المألوف , وفي المفارقة لفت للانتباه , وفي المفارقة جذب للأسماع والأبصار , إنها ضوء لامع في ساحة المعاني المرسلة , ومنعطف فاصل في طريق الدلالات المتتابعة , وإذا لم تلفت المفارقة انتباهك فقد خرجت عن حقيقتها , فأنت ترى اللا معقول شاخصا حين تتوقع المعقول , وتشاهد تبدل الأحوال , وانقلابها .
وأستطيع بعد ذلك أن أقرر  :
أن مفهوم المفارقة يضرب بجذورة في اللسان العربي القديم , فلا مجال هنا للحديث عن غربية المصطلح , أو جهل العرب به .
وأنطلق الآن إلى البحث عن هذه الدلالة في القرآن الكريم لتتم الصورة , ويزداد وضوحها .









المفارقة في القرآن الكريم
لقد حمل القرآن الكريم كثيرا من صور المفارقة , وجاءت آيات كثيرة تتحدث عن نماذج من البشر تقول الشيء وتفعل ضده , وتظهر خلاف ما تبطن , ونماذج أخرى تتحلى بالحلم الشديد  وهي تمتلك من القوة ما تستطيع به رد الصاع صاعين والكيل كيلين ,  وتظهر الجهل والتغابي , حتى يظن بها الظنون , وهي أعقل الناس وأفهم الناس .... كل هذه سمات تلحظها في صور المفارقة في القرآن الكريم , وإليك بعض هذه المفارقات :
قال الله تعالى" أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" البقرة 44
لاحظ هذه الأطراف  :
أولا : قوم يأمرون الناس بالمعروف , لا حظ " يأمرون " وليس يعظون , أو يرغِّبون .
ثانيا : لا يفعلون هم ما يَأمرون به الناس  وهنا مكمن العجب .
ثالثا : وهذا الأمر بالقول ومخالفته بالفعل  حاصل وهم يتلون الكتب .
هذه الأمور الثلاثة تكوِّن مفردات الصورة – صورة المفارقة التي تحمل التناقض , والعجب , يقول الفخر الرازي ( وسبب التعجب وجوه :
الأول: أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير, وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل ,فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال : " أ فلا تعقلون ."
الثاني :  أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ , صار ذلك الوعظ سببا لرغبة الناس في المعصية, لأن الناس يقولون إنه مع هذا العلم : لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات , وإلا لما أقدم على المعصية , ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية , فكأنه جمع بين المتناقضين , وذلك لا يليق بأفعال العقلاء فلهذا قال "  أفلا تعقلون "
الثالث : أن من وعظ لابد أن يجتهد في أن يصير وعظه مؤثرا في القلوب ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثرا في القلوب فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء ,ولهذا قال علي رضي الله عنه :  "  قصم ظهري رجلان : عالم متهتك , وجاهل متنسك" .  
إن المفارقة هنا ليست في الفعل المناقض للقول فقط , ولكن في صدور ذلك ممن يتلون الكتاب , وإظهار القول في صورة الأمر , وإبراز المخالفة في صورة النسيان , وكل ذلك يحمل مع التناقض الكثير من العجب , وهذا العجب باعث على التنفير من هذه النماذج , ودافع إلى التبرؤ منها , وخالق حالة من حالات التوتر النفسي كلما اقترب الإنسان من هذه الدائرة  , ولقد جاء عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مررت ليلة أسري بي على قوم تُقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت يا أخي جبريل من هؤلاء ؟ فقال : هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم "   وقال عليه الصلاة والسلام " إن في النار رجلا يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله ؟ قال : عالم لا ينتفع بعلمه }    وقال عليه الصلاة والسلام:  { مثل الذي يعلم الناس الخير ولايعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه }   وعن الشعبي يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم ؟ !!  فقالوا إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله, كما قيل من وعظ بقوله ضاع كلامه ومن وعظ بفعله نفذت سهامه...  )  
وهذه النصوص تجسد دلالة المفارقة حين ترى الطبيب مريضا , والواعظ منحرفا عن الجادّة , حين ترى القاتل يصرح بالخوف من الله , والعالم يفتي بقتل الناس , حين ترى الخوف من مكانٍ الأصل فيه أن يوفر الأمن للناس , حين ترى الحق باطلا , ويخوفونك منه , وترى الباطل حقا ويدعونك إليه ......كل هذه الصور لا تبعد عن صورة من يأمر الناس بالبر وينسى نفسه , وهو ممسك بالكتاب الذي يحض على الخير  , لكنك تسمع شيئا , وترى ما يناقضه , وهذا لا يبعث على الإنكار فقط , بل يبعث على السخرية والتهكم , والتندر .
*****************
ومن نماذج المفارقة  في القرآن الكريم أيضا قول الله تعالى :" ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " الروم 28
يقول الشهيد سيد قطب : ( ضرب هذا المثل لمن كانوا يتخذون من دون الله شركاء خلقاً من خلقه : جناً أو ملائكة أو أصناماً وأشجاراً . وهم لا يرتضون أن يشاركهم مواليهم في شيء مما تحت أيديهم من مال . ولا يسوون عبيدهم بأنفسهم في شيء من الاعتبار . فيبدو أمرهم عجباً . يجعلون لله شركاء من عبيده وهو الخالق الرازق وحده . ويأنفون أن يجعلوا لأنفسهم من عبيدهم شركاء في مالهم . ... ومالهم ليس من خلقهم إنما هو من رزق الله . وهو تناقض عجيب في التصور والتقدير .
وهو يفصل لهم هذا المثل خطوة خطوة  : { ضرب لكم مثلاً من أنفسكم } ليس بعيداً عنكم ولا يحتاج إلى  رحلة أو نقلة لملاحظته وتدبره . . { هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء؟ } . . وهم لا يرضون أن يشاركهم ما ملكت أيمانهم في شيء من الرزق فضلاً على أن يساووهم فيه  { تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } . . . أي تحسبون حسابهم معكم كما تحسبون حساب الشركاء الأحرار ، وتخشون أن يجوروا عليكم ، وتتحرجون كذلك من الجور عليهم ، لأنهم أكفاء لكم وأنداد ؟
هل يقع شيء من هذا في محيطكم القريب وشأنكم الخاص ؟ وإذا لم يكن شيء من هذا يقع فكيف ترضونه في حق الله وله المثل الأعلى؟    وهو مثل واضح بسيط حاسم لا مجال للجدل فيه ، وهو يرتكن إلى المنطق البسيط وإلى العقل المستقيم  :  { كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون } .
فالمفارقة هنا أنهم ينسبون لله تعالى الشريك , وهو المالك الحقيقي , ويأنفون في الوقت نفسه أن يشاركهم الرقيق في المال وهو ليس ملكا لهم بل هو رزق الله تعالى , فكيف يعقل ادعاء الشريك للمالك , ورفض الشريك لغير المالك , وعرض ذلك في صورة المثل ليفضحهم , ولذلك يقول الطاهر بن عاشور : ( والغرض من التمثيل تشنيع مقالتهم واستحالة صدقها بحسب العرف ، ثم زيادة التشنيع بأنهم رضوا لله تعالى ما لا يرضونه لأنفسهم )   وهكذا ترى في المفارقة صورة من صور الخلل العقلي لدى هؤلاء .
                                           *****************
ومن نماذج المفارقة قوله تعالى : "  قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ " الجمعة 8
فالمتوقع من الفرار النجاة , وفي أسوأ تقدير لدى الفارين من شيء أن يلحق بهم , ولكن بعد زمن طويل ... هذا الذي ينتظره الذهن حين يسمع تفرون منه , ينتظر أن يسمع في هذا السياق : فإنه لاحق بكم , أو فإنه مدرككم ولو بعد حين , لكن الآية جاءت بالمعنى غير المتوقع من جهة الإدراك , وإن كان الإدراك في المعنيين قائم , لكن الإدراك في ( مدرككم ) إدراك متوقع , والإدراك في ( ملاقيكم ) إدراك غير متوقع , وفيه من المباغتة والمفاجأة ما يستوجب العجب , بل والسخرية من هؤلاء الذين يفرون تجاه ما يفرون منه  !!  .
وشيء آخر أن الإدراك في قوله ( ملاقيكم ) أكثر سرعة مما يعني أن سرعة الفرار تستلزم سرعة اللقاء , أو كما يقول البيضاوي  ( كأن فرارهم يسرع لحوقه بهم )  والعجيب هنا أن الإنسان لا يملك إلا أن يفر من الموت , والموت لا يملك إلا أن يلاقيه , فكل منهما أشبه بالقاطرة التي فقدت السيطرة على كبح زمامها , ولذلك تجد في تعليقات المفسرين عبارات تعبر عن ذلك مثل : ( ملاقيكم لا محالة - البتة - من غير صارف يلويه )
وهذه المعاني سيقت في مقام الحديث عن أهل الكتاب , {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ  قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } الجمعة 5-8
وهو سياق حديث عن ظلمهم , وتفريطهم في أوامر ربهم , ثم زعمهم أنهم أولياء لله , ثم بعد ذلك يفرون من قضاء الله عليهم بالموت ... وهذا السياق سياق غضب , وتوبيخ لذلك كان التعبير بالملاقاة , وفيها من الصدمة والترويع ما يجعل الناظر إلى المشهد يستهزئ بهم .
لكن سياق الإدراك جاء في مقام الحديث عن المتكاسلين من المجاهدين , والذين فترت عزائمهم , فكان لا بد من دفعهم إلى الجهاد فقيل ({أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) النساء77-78
وهذا سياق تنبيه , ورفع للهمم , وتحذير من التهاون في الأوامر , ودفع إلى الجهاد حتى وإن أدى إلى الموت  , يقول الشيخ أبو زهرة (وفى التعبير بكلمة " يدرككم " إشارة إلى أن الموت كانه يطلب الإنسان ويتبعه حيثما كان ، وفى أى وقت كان ، فهو طالب لا بد أن يدرك ولا بد أن يصل ؟ لأنه حقيقة محتومة فإن فررتم منه فإنه ملاقيكم ، فلا تفروا منه واطلبوا الحق ولو أدى إليه ، وما أحسن ما قاله زهير بن أبى سلمى :
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه *** وإن يرق أسباب السماء بسلم )
وأعود وأذكّر أن المفارقة في الآية التي سيقت كامنةٌ في المسافة البعيدة بين الفرار من الشيء وما يستتبعه من معنى النجاة أو تأخير الإدراك , ومعنى الملاقاة الذي يستوجب العجلة في اللقاء ,فالذي يفرون منه يفرون إليه .
*****************
ومن نماذج المفارقة قوله تعالى على لسان إبراهيم - عليه السلام :
(وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا.) الأنعام 81
الاستفهام هنا للتعجب من المفارقة التى كانت منهم ، وهى مفارقة عجيبة يخوفون إبراهيم من أن تصيبه آلهتهم بسوء ، ومع ذلك لا يخافون هم من إشراكهم بالله ما لم ينزل به سلطانا ، والعجب من ناحيتين :
أولاهما - أن أصنامهم لا تملك نفعا ولا ضرا .....وثانيتهما - أنهم يخوفون إبراهيم - عليه السلام - ولا سبب للتخويف ولا يخافون وقد توافر سبب الخوف )  
إن المفارقة هنا في المسافة العجيبة بين تعجبهم من عدم خوفه , وتعجبه  من عدم خوفهم , فكل فريق متعجب من عدم خوف الآخر من معبوده , لكن المسافة واسعة بين معبودهم وهم الأصنام , ومعبوده وهو الواحد الأحد , والقارئ يلحظ هذا ويرى الفارق الواسع بين عجب كل من الفريقين , وهو فارق يوضح المسافة بين الواقع وما ينبغي أن يكون .
******************
ومن نماذج المفارقة في القرآن الكريم قوله تعالى Sadخلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين}
ولعلك تمر على الآية دون الالتفات إلى هذه الحالة العجيبة , حالة هذا المخلوق الذي يرجع أصله إلى النطفة , وينبغي  عليه أن يراعي هذه البداية , ويتذكر هذا الأصل , فإن تجاوز فيجب عليه أن يراعي في تجاوزه الحدود , لكن الإنسان انتقل إلى أقصى مدى , انتقل إلى حالة لا يتصورها عقل , إلى الخصام , ومع من ؟ مع خالقه ورازقه  ( ويالها من نقلة ضخمة بين المبدأ والمصير .!!!   بين النطفة الساذجة والإنسان المخاصم المجادل الذي يخاصم خالقه فيكفر به ويجادل في وجوده أو في وحدانيته . وليس بين مبدئه من نطفة وصيرورته إلى الجدل والخصومة فارق ولا مهلة . فهكذا يصوره التعبير ، ويختصر المسافة بين المبدأ والمصير ، لتبدو المفارقة كاملة ، والنقلة بعيدة ، ويقف الإنسان بين مشهدين وعهدين  متواجهين :  مشهد النطفة المهينة الساذجة ، ومشهد الإنسان الخصيم المبين )  
لعلك تلحظ في تعليق الشيخ سيد قطب معنى البعد المستغرب من هذا الإنسان الذي كان يوما نطفة , ثم انقلب إلى الخصام والعناد !!!!  والخصام والعناد لمن؟ !!! لمن خلقه !!!
إنه أمر خارج حدود العقل , والمنطق , لكنه كان .وهكذا ترى في المفارقة بعدا شديدا بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون .
****************
ومن نماذج المفارقة أيضا : قوله تعالى : { وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ    وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ } الأنبياء 36
والمسافة هنا مسافة باعثة على التعجب , لأنهم يسخرون من النبي – صلى الله عليه وسلم – لعيبه آلهتهم التي نحتت من الصخر , في الوقت الذي يكفرون هم فيه  بالخالق سبحانه ,  : (وهذا أمر عجيب جد عجيب !  .. إنهم ليلقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهزء ، يستكثرون عليه أن ينال من أصنامهم تلك : { أهذا الذي يذكر آلهتكم ؟ } ولا يستكثرون على أنفسهم وهم عبيد من عبيد الله أن يكفروا به ، ويعرضوا عما أنزل لهم من قرآن . . وهي مفارقة عجيبة تكشف عن مدى الفساد الذي أصاب فطرتهم وتقديرهم للأمور )  
وحاول أن تضع الصورتين أمام عينك ليتبين لك الفاصل الكبير بينهما , وليتبين لك الصورة الأحق بالاستنكار والتحقير , صورة من يستهزئ بالأصنام ويذكرها بالسوء, وصورة من يستهزئ بالنبي المرسل ويذكره بالسوء ؟
إن وضع الصورتين بجوار بعضهما يوضح بُعد المسافة الفارقة بين التوجهين , وهذا الذي يستشعره القارئ هو مراد المتكلم من المفارقة . إن الآية تريد أن يستشعر القارئ هذا البعد , أو إن شئت قل : تريد أن يتحول الفراغ المعنوي إلى فراغ حسي داخل النفس , يبعث على الوحشة عند الشعور بهذه المسافة بين استهزاء واستهزاء , فالتناقض بينهما على أشده , وهو تناقض يُولِّد مع الوحشة  كثيرا من العجب , أو السخرية والتهكم .
هذه بعض الملامح التي ظهرت من خلال الشواهد الشعرية , وكذا الشواهد القرآنية , فهل يفتح لنا الحديث الشريف بابا آخر في المفارقة ؟ تعال نر ....













المفارقة في الحديث النبوي
إذا كانت المفارقة شاخصة في اللسان العربي القديم , وحاضرة في القرآن الكريم فهي كذلك لا تغيب عن الحديث النبوي مما يؤكد حقيقة لا ينبغي أن تغيب عنا , وهي أن هذا اللون من التعبير له جذوره في النفس العربية قبل أن يكون له جذوره في اللسان العربي المبين, ومن كلام المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي يظهر فيه هذا اللون من الدلالة ما أخرجه الإمام أحمد من حديث أنس رضي الله عنه , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال: بين يدي الساعة سنون خداعة , يتهم فيها الأمين , ويؤتمن فيها المتهم , وينطق فيها الرويبضة , قالوا : وما الرويبضة ؟ قال : السفيه ينطق في أمر العامة , وفي رواية الفاسق يتكلم في أمر العامة )
فحين ترى التافه يفتي في أمر عامة الناس  , ويرسم لهم طريق حياتهم ويحدد لهم معايشهم , في الوقت الذي يسكت فيه فحول الرجال فإن الأمر جلل , ولذلك قيل عن هذا الوقت إنها سنون خداعات  ,  ترى فيها الأحوال مقلوبة ,  يتخذ الناس الجهال علماء سواء مات أهل العلم أم كانوا أحياء ، ويتسود على الناس ولاة الجور وحكام الجور عند غلبة الباطل وأهله .
هذه السنون الخداعة تجسد لك المفارقة فيتهم فيها الأمين , ويؤتمن فيها المتهم , وتوكل أمور الناس إلى ناقص العقل والدين , فالكاذب عنده صادق , والصادق عنده كاذب , والخائن أمين والأمين خائن , وكل ذلك ثمرة مرة لتوسيد الأمر إلى غير أهله , وساعتها لا تنتظر إلا كل غريب و ولا تتوقع إلا كل مالا يتوقع .
والذي ي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://eloquence.rigala.net
 
المفارقة في اللسان العربي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
قسم البلاغة والنقد بالمنوفية  :: منتديات الطلاب والباحثين :: منتدى المكتبة البلاغية-
انتقل الى: